عنوان الموضوع
الفساد في القرآن والسنة
لقد ذكر الله تعالى الفساد ومشتقات اللفظ في القرآن الكريم في حوالى خمسين آية كريمة, فتارة يتحدث سبحانه وتعالى عن الشرك والكفر والنفاق وهو فساد العقيدة فيقول تعالى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)" (سورة البقرة) , وذكر الفساد في القرآن بمعنى سفك الدماء وانتهاك الأعراض فقال تعالى " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)" (سورة القصص) , وذكر بمعنى قطيعة الأرحام وقطيعة كل ما أمر به الله تعالى أن يوصل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)" (سورة محمد)
وبالنظر إلى الآيات التى تحدث فيها ربنا عز وجل عن الفساد في القرآن, نجد أن فساد البشر على مراتب خمس(5) نوجزها فيما يلى:
1. إفساد النفس بالإصرار على المعصية والذنب والتولى عن الحق والإعراض عنه, وفعل المحرمات ومخالفة أوامر الله عز وجل.
2. إفساد الذرية والأتباع والأولاد حيث أنهم يقتدون بالكبار ويقلدونهم في مساوئهم.
3. إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها.
4. إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعماً بأنهم يقفون ضد مصالح الناس.
5. الإفساد الناشئ عن فساد الحكام والقادة والزعماء، وهو الفساد الأكبر، لأن الكبراء إذا فسدوا في أنفسهم فإنهم ينشرون الفساد بقوة نفوذهم واستخدام سلطاتهم وقوتهم.
تصدى الإسلام ومحاربته الفساد
قال الشيخ حسن البنا (الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا, فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة, وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة, وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء, وهو مادة وثروة أو كسب وغنى, وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة, كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء), من هذا التعريف البسيط الذى لا يختلف المسلم الحقيقى على صحته, نفهم أن الإسلام نظام حياة شامل كامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح أحوال الناس والمجتمعات في كل زمان ومكان.
إن الدين الإسلامي الحنيف حارب الفساد منذ اليوم الأول لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم, فالإسلام ذاته ثورة ضد الفساد, بدءا من فساد العقيدة فقد جاء ليحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, وجاء ليقضى على الأخلاق الذميمة والعصبيات الجاهلية, وينشر بدلا منها, الأخلاق القويمة الحميدة, وتكون العصبية للدين وحده, جاء ليقضى على كل مظاهر الفساد الاقتصادية والاجتماعية ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن وكل ما من شأنه أن ينهض بالأمة ويجعلها رائدة العالم كله.
إن الإسلام عندما يتعرض لمشكلة من المشاكل فإنه يعالجها بطريقة حكيمة ومنطقية, فالإسلام ينظر إلى أسباب المشكلة الجوهرية ويسعى لعلاجها, فإذا ما عولجت الأسباب فمن السهل حينئذ علاج الأعراض والنتائج, وهكذا هو نهج الإسلام دائما, وفي محاربة الفساد ينتهج الإسلام نفس المنهج القويم, فالإسلام قد نظر إلى هذا الفساد بكل صوره وأشكاله وأعراضه, وأدرك أسباب الخفية والظاهرة وعمل على علاجها علاجا جذريا حقيقيا وليس علاجا صوريا كما هى المناهج العصرية التى ينتهجها الناس اليوم, ثم عالج الفساد بعد حدوثه وحاربه بسبل وطرق لا يستهان بها إطلاقا بل لقد أثبت التاريخ أن النهج الإسلامى هو أنجع السبل في محاربة الفساد, وهذا ليس بالشئ الغريب فالإسلام منهج حياة كامل متكامل صالح لكل زمان ومكان ويصلح كل ما أفسده الناس في كل زمان ومكان.
تنمية الوازع الدينى
لأن جريمة الفساد إنما هى مخالفة صريحة للأوامر الإلهية ولما جاء بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه المطهرة صلى الله عليه وسلم, وهى مخالفة للضمير له أو تغييب له, فهو دليل على ضعف الوازع الدينى لدى الفاسد والمفسد, ولهذا فإن الإسلام يعمل على تنمية وتقوية الوازع الدينى لدى كل أفراد المجتمع حتى يكون الوازع الدينى هو الذى يمنع المرء من ممارسة الفساد وارتكاب جرائمه, فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (6) , وقد جاء الأمر الإلهى بالإصلاح ودفع الفساد بل والأخذ على يد المفسد حتى يتوقف عن فساده, فقال تعالى في كتابه الكريم " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)" (سورة الأعراف) , وقال عز وجل في نفس السورة " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)" , وقال عز وجل " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)"
عدالة اجتماعية
العدالة الاجتماعية هى إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع، و توفير متساوي للاحتياجات الأساسية, كما أنها تعني المساواة في الفرص؛ أي أن كل فرد لديه الفرصة في الصعود الاجتماعي. ولا يشك عاقل في أن انعدام هذه العدالة الاجتماعية في أى مجتمع من المجتمعات سبب هام جدا من أسباب الفساد مهما كانت القوانين صارمة والعقوبات شديدة والحكومات حازمة في تنفيذ القانون, لذا من الضرورى والحتمى لأى دولة تريد القضاء على الفساد أن تعالج هذه المشكة. وقد وضع الإسلام قواعدا وأسسا لهذه العدالة الاجتماعية وهى كما ذكرها لنا الشهيد بإذن الله سيد قطب (التحرر الوجدانى المطلق, والمساواة الإنسانية الكاملة, والتكافل الإجتماعى الوثيق)(7) , أما عن وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية في الإسلام فقد حددها لنا المفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله في سياسة الحكم وسياسة المال في الإسلام فيقول (الإسلام يفرض قواعد العدالة الاجتماعية، ويضمن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويضع للحكم وللمال سياسة عادلة، ولا يحتاج لتخدير المشاعر، ولا دعوة الناس لترك حقوقهم على الأرض)(8) , أما سياسة الحكم فللمسلمين الحق في اختيار حاكمهم, والحاكم في الإسلام ملزم بالإنصياع لإرادة الأمة وعدم مخالفة شرع الله وتحقيق الشورى بينهم, وأنه لا يطاع الحاكم في معصية لله وللأمة حق خلع الحاكم طالما أخل بشروط الحكم وعلى رأسها إقامة شرع الله وتحقيق العدل, وأما سياسة المال فقد حفظ الإسلام الملكية الخاصة وحرم التعرض لها ووضع عقوبات رادعة لذلك, ولكن لا تستخدم هذه الملكية فيما يتعارض مع مصلحة الجماعة بل يجب أن تصب فيها, وسياسة المال في الإسلام تقوم على وسيلتين وهما لتشريع المالي الذي يرمي إلى تحقيق المجتمع الصالح, وتوجيه التداول المالي لتطوير الحياة البشرية إلى الأحسن, كما أنها تقوم على قاعدتين مهمتين كما يذكر الشهيد سيد قطب رحمه الله وهما قاعدة الاستخلاف فالمال مال الله، والناس مستخلفون فيه بشرط حفظ شريعة الله فيه، وكل تجاوز للشرط نقض للاستخلاف, وقاعدة التملك المشروط: للفرد حق التملك والاستثمار بشرط الخضوع للشرع وبشرط التكافل الجماعي.
إن هذه العدالة الإجتماعية التى تمتع بها الإسلام ودعا إليها وفرضها منذ اليوم الأول والتى كانت أحد أركان ودعائم الدولة الإسلامية الناشئة بالمدينة المنورة في ظل حقول من الألغام المحيطة بالمدينة وكثرة الأخطار التى تتهددها, وإلا فكيف بمجموعة من الرجال صغيرة العدد فرت من مكة في جنح الظلام معظمهم من الفقراء وبعضهم من العبيد أن تنشئ دولة عظيمة في عشر سنوات من الزمان ثم تقارع كلا الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية, ثم تواجه خطر تمرد القبائل العربية وحروب الردة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم, لقد كان لابد من صمام أمان لهذه الأمة حتى يشتد عودها وقد كانت العدالة الاجتماعية جزءا من هذا الصمام.
الإسلام يحارب الفقر
قال نيلسون مانديلا (الفقر الواسع النِّطاق، وانعدام المُساواة بشكلٍ فاحش، مِن أسوأ نكبات هذا الزَّمن، حتى إنَّه ينبغي اعتبارهما منَ المساوئ الاجتماعيَّة جنْبًا إلى جنب مع العُبُودية والفصل العُنْصري)(9) , والفقر سبب أساسى من أسباب الفساد في المجتمعات ولهذا فقد جاء الإسلام بعلاج لهذه المشكلة من جذروها. لقد قرن الرسول والصحابة وعلماء الأمة وأئمتها الفقر بالكفر في كثير من المواقف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر)(10) , وكان على بن أبى طالب كرم الله وجهه يقول (لو كان الفقر رجلا لقتلته), وقال سفيان الثوري (لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذلي في سؤال الناس) وغير ذلك كثير يبين أن الفقر طريق يؤدى إلى الكفر, فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن يكون طريقا يؤدى للفساد. إن علاج مشكلة الفقر في الإسلام منهج متكامل منها ما هو خاص بعلاقة الإنسان بربه وطاعته إياه فطاعة الله سبب لتفريج الهموم وحل المشكلات ومنها ما هو مادى, والإسلام لم يغفل أيا منهما بل جعلهما في خط متواز
ومن وسائل الإسلام في علاج الفقر ما يلى:
حث الإسلام الناس على العمل وطلب الرزق, فقال صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان، إلاَّ كان له به صدقة)(11) , وقال أيضا (ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده)(12) , وغير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة التى تحث على العمل. الزكاة: فقد فرض الله على المسلمين الزكاة وجعلها المولى عز وجل ركنا من أركان الدين لا يكتمل إسلام المرء وبدونها ومن أجلها قامت حروب الردة ووقف الصديق أبو بكر رضى الله عنها موقفا رائعا رافضا أية محاولة لتثبيط همته في قتال هؤلاء مانعى الزكاة وقال(أينقص الدين وأنا حى) وهذا يوضح أهمية الزكاة في الإسلام, وتطبيق الزكاة في المجتمع يحميه من الفساد حيث أنها تعمل على علاج الفقر, ومن ثم تطيب نفس الفقير تجاه الغنى وتجاه المجتمع ككل, فلا يسعى للسرقة أو الاختلاس ويعمل على حماية المال العام حيث في الحفاظ عليه فائدة تعود عليه وهى حقه في الزكاة إن كان من مستحقيها, ويجب البحث عن سبل وطرق لكيفية تطبيق الزكاة في الوقت المعاصر بشكل يحقق كل الأهداف المرجوة.
التكافل الإجتماعى:
وهو ما من شأنه أيضا الحد من الهوة الشاسعة بين طبقات المجتمع وإشعار الفقراء والضعفاء بأن المجتمع لا ينساهم وأنه حريص على القيام بواجبه تجاههم وهذا له آثار إيجابية ويشعر الفقير بالإنتماء للمجتمع ويجعله حريصا على قوة هذا المجتمع بعيدا عن الفساد, وقد كان هذا التكافل موجودا في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفي قرون الإسلام الأولى, وقد كان الصديق رضى الله عنه يكفل مسطح بن أبى أثاثة, حتى تحدث مسطح في حادثة الإفك فقال في عائشة رضى الله عنها قولا شنيعا, فأقسم أبى بكر ألا ينفق عليه ولا يعطيه من ماله لكن الله عز وجل نهاه عن ذلك فعاد الصديق إلى ما كان عليه. وثمة سبل كثيرة ووسائل مستنبطة من المنهج الإسلامى لمحاربة الفقر لا يتسع المقام لذكرها.
منع المسؤولين وذوى المناصب الكبرى من ممارسة التجارة
كتب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى عماله كتابا فقال فيه (نرى أن لا يتجر إمام ولايحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أموراً فيها عنت وإن حرص أن لا يفعل)(13) , والسبب (وذلك إدراكا منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم تكن الإثنان معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شئ، وبهذا القرار سد عمر منفذاً خطيراً قد يؤدي إلى فساد إداري قل ماتتوارى عواقبه)(14) , ما يحدث اليوم من كبار المسؤولين في الدول من فساد عظيم جزء أساسى من سببه قيام المسؤول بممارسة عمل تجارى خاص به.
فتح قنوات الإتصال بين الوالي والرعية
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع عن لقاء الناس, بل كان يقابل كل من أراد لقاءه صلى الله عليه وسلم وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون الخمسة المتتابعون وتبعهم على ذلك عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد رحمه الله, وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المواسم (أما بعد فأيما رجل قدم إلينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة بقدر ما يرى الحسبة وبعد السفر، لعل الله يجيء به حقاً أو يميت باطلاً، أو يفتح به من ورائه خيراً)(15) , ولا يخفى على عاقل أهمية وجود وسيلة اتصال بين الحاكم والمحكومين, وفي ظل التطور التكنولوجى الهائل يجب على كل الحكام والمسؤولين أن يتواصلوا مع شعوبهم ومحكوميهم ومرؤوسيهم.
التوسعة على الموظفين والمسؤولين وزوى المناصب الكبرى في الأرزاق وهو عين ما فعله أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه حينما تولى الخلافة, فحتى تكون هناك وقاية من الفساد, يجب أن نسد حاجة هؤلاء الأشخاص حتى لا يضطروا تحت وقع الضغوط المعيشية والحياتية وتحت ضغط المستوى الإجتماعى أن يمدوا أيديهم إلى أموال الناس فيأخذوا منها وهذا من باب سد الذرائع.
النهى عن أخذ الهدايا والهبات للموظفين والمسؤولين
وفي هذا وقاية للمجتمع من الفساد, فما الذى يدفع أى شخص إلى إعطاء هدية لموظف او مسؤول, إلا إذا كان يريد تحقيق مصلحة من ورائه, وحتى لو كان يريد حقه, فهذا الموظف يأخذ راتبا من أجل القيام بعمله فلماذا يأخذ الهدية؟!, وإذا كان يأخذ الهدية من الغنى فماذا يفعل الفقير الذى لا يملك ثمن الهدية؟!, لهذا فإن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله ينهاهم عن قبول الهدايا وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبل الهدية؟ فقال (بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة)(16)
الرقابة المجتمعية (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)
من خصائص منهج الإسلام في محاربة الفساد هو تميزه منذ قرون عديدة بما نسميه اليوم الرقابة المجتمعية والوقاية المجتمعية من الفساد, فالإسلام يدعو إلى بل يأمر بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)" (سورة آل عمران) , وقد اختلف العلماء في حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فمنهم من قال بأنه فرض عين ومنهم من قال بأنه فرض كفاية, وله ثلاث درجات بينها لنا النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (17) , وعن أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في حماية المجتمع من الفساد وما يتبعه من الهلكة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) (18) , وفي الكتاب الكريم والسنة المطهرة من الآيات والأحاديث ما يبين كثيرا من أهمية وفضل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وحينما يتواصى الناس بينهم ويذكرون أنفسهم ليل نهار بالمعروف ويتناهون فيما بينهم عن المنكر ويعملون على تغييره والوقوف سدا منيعا ضده, ليس باستخدام العنف بل باللين والحكمة والموعظة الحسنة, أو بالإستعانة بالسلطة القائمة في مواجهة الفساد, فهذا يقى المجتمع من الفساد, وحينما نصل إلى المرحلة التى يقوم الناس فعلا بهذا الأمر وحين يدرك كل فرد في المجتمع أهمية دوره البسيط هذا في حماية الأمة ونهضتها فنكون قد قطعنا شوطا كبيرا جدا في محاربة الفساد قبل وقوعه وانتشاره في المجتمع ككل.
رقابة السلطة (الحسبة)
كما أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض على المسلمين في شخوصهم فهو أيضا فرض على الحاكم الذى يحكم الدولة الإسلامية, ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته رئيس الدولة الإسلامية يمارس سلطته في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره, والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتغييره هو أحد أهداف قيام الدولة الإسلامية وهو يميزها عن غيرها من الدول, فيقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى (إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف ، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر ، وهذا نعت النبي والمؤمنين)(19) , وهذا يبين لنا أهمية هذا الأمر في الدولة الإسلامية, (وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا واحد ، من أعمال الدولة الإسلامية بل هو كل عملها ، هو الذي تسعى وراء تحقيقه بجميع وسائلها وأسبابها . ويخضع له ويعمل كل قسم من أقسامها وكل شعبة من شعبها)(20) , (جميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(21) , (والولايات كلها الدينية مثل أمرة المؤمنين ، وما دونها من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب المستخرج أو مصروف أرزاق المقاتلة أو غيرهم ، وبكل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(22) , كل هذا غيره الكثير مما لا يتسع المقام لذكره يؤكد أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى تمارسه الدولة. ولأجل هذه الأهمية فقد أسس أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه نظام الحسبة, وقد اهتم العلماء اهتماما بالغا بنظام الحسبة وألفوا فيه المؤلفت وصنفوا فيه المصنفات ومن أشهر من كتب عنها هو الإمام ابن تيمية في كتابه الماتع (الحسبة في الإسلام).
ومن وظائف المحتسب(23) القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومراقبة الأسواق العامة والموازين والمكاييل والمبايعات وأنواع الغش والتدليس والاحتكار والمعاملات الربوية, ودقة أماكن التربية والتعليم وأن يطلع على سير التعليم ومناهجه وأسلوب تلقينه ... فيعمل على منع ما هو فاسد منه وتشجيع ما هو حسن, ومراقبة الأبنية للتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات, ويمكن استحداث أية صلاحيات للمحتسب حتى يتمكن من القيام بعمله على الوجه الأكمل وتكون النتائج مناسبة. ومن أهم مميزات الحسبة, هى القدرة على كشف الفساد ومواجهته في الحال دون إعطاء الفاسد أية فرصة للمراوغة أو للتهرب وإخفاء جريمته, وكذلك الحسم في القضايا وعدم تعطيل مصالح الناس, والأهم من ذلك أنها تعتبر من أنجع السبل لبث روح الإصلاح ومحاربة الفساد وتشجيع الناس على الكشف والإبلاغ عن المفسدين. ويجب أن يتم وضع ضوابط للمشتغلين في هيئة الحسبة حتى تحقق النتائج المرجوة منها.
العدل والمساواة أمام القانون والقضاء
إن الإسلام لا يفرق بين الناس أما القانون, فالكل عنده سواء, الحاكم والمحكوم, الغنى والفقير, القوى والضعيف, لا ينحاز الإسلام لأى جهة أو شخص كائنا من كان, ولقد أرسى الإسلام دعائم المساواة بين البشر أمام القانون بآيات بينات من كتاب الله عز وجل وأحاديث صحيحة من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)" (سورة النساء) , ولا يتحقق العدل في مجتمع من المجتمعات وهناك تمييز بين أفراد هذا المجتمع, فالتمييز ضد العدل, وقال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ, مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ, لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ)(24) , وقال صلى الله عليه وسلم (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)(25) , فالإسلام لا يفرق بين عربى ولا أعجمى, ولا يفرق بين أبيض ولا أسود, لا يفرق الإسلام إلا على أساس تقوى الله, وهذه لا يتعامل القانون معها, فالقانون لا ينقب عن التقى ويعفيه من العقاب ولا يجوز للقضاة ذلك. ونسوق قصة تدل على العدل في الإسلام والمساواة أمام القانون بين جميع الناس أيا كانوا, ففي عهد النبى صلى الله عليه وسلم سرقت امرأة من بنى مخزوم وكانت سرقتها أن جحدت عارية عندها فرفع أمرها للنبى صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يدها, فجاء أهلها من بنى مخزوم بعد أن استعظموا أن يقول الناس أن امرأة من بنى مخزوم سرقت, إلى على بن أبى طالب يستشفعونه عند النبى صلى الله عليه وسلم فأبى فذهبوا إلى فاطمة الزهراء فأبت, فذهبوا إلى الحب بن الحب أسامة بن زيد رضى الله عنهما فذهب للنبى صلى الله عليه وسلم فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال (أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب ثم قال إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(26) , ووالله لو لم يكن في الإسلام سوى هذا الحديث دليل على المساواة أمام القانون لكفى, فقد أقسم رسول الله أن فاطمة لو سرقت لقطع يدها, وفاطمة هى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وزوجة أمير المؤمنين على بن أبى طالب, ووالدة الحسن والحسين وهى سيدة نساء أهل الجنة, وصاحبة المكانة العالية والمنزلة الرفيعة عند الأمة كلها.
تشديد العقوبة
جاء الإسلام بعقوبات شديدة على عدد من الجرائم، فجريمة السرقة عقوبتها في الإسلام قطع اليد، وهذه جريمة رادعة تجعل كل مجرم أو فاسد أو أي بشر كان، يفكر ألف مرة قبل مجرد التفكير في السرقة، خوفا من هذه العقوبة الشديدة التي ستظل مؤثرة عليه وعلى حياته بقية عمره، ولهذا فإن الذين طبق عليهم حد السرقة في التاريخ الإسلامي عدد قليل، هذا بالإضافة إلى أنه يرد الأموال أو الأشياء التي سرقها إلى أصحابها مرة أخرى، وهذا من عظمة هذا الدين، بخلاف ما نراه اليوم من عقوبات لا قيمة لها، لص يسرق ملايين من خزينة الدولة ولا يسجن سوى بضعة شهور في سجون مكيفة ليخرج ويستمتع بما سرق، وهذا التشديد في العقوبة يحمي المجتمع كله، بل إنه أيضا يمحو الدوافع لدى المجرمين والفاسدين، ويغلق معظم السبل والطرق والثغرات التي يرتكب بها جريمته، لأن تشديد العقوبة يسبقه كما أوضحنا توفير احتياجات أفراد المجتمع، وتحقيق العدالة.
المصدر
تعليقات
إرسال تعليق